أحمد بن علي الرازي

255

شرح بدء الأمالي

لفاتت فائدة الغفران ، يمحو المعاصي ويثبت التوبة ، فقد اجتمعت عليه المفسرون ، ولو كان إبليس كافرا ما دام يعبد الله لما أمره بالسجود لآدم ولا يسميه ملكا ولا يكون مع الملائكة في العقل ، قال الله تعالى : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ [ البقرة : 34 ] . أي صار آمرا للملائكة بالسجود لا للكفار ، وإبليس كان معذورا في قولكم بترك السجود ، وقد سماه ملكا مقارنا مع الملائكة ثم نفى وبدل اسمه بعد ترك السجود ، لأنه لما قال : لم أسجد كفر بالله العظيم ومحى اسمه المكتوب في اللوح وكتب كافرا ، وكذلك قابيل ، وقارون [ 172 ] ، وبلعم ابن باعور ، وبرصيصا . ونسألكم سؤالا : إن آدم صلّى اللّه عليه وسلم كان عاصيا قبل أن يأكل من الشجرة أم حين خلقه الله تعالى كان عاصيا ؟ فإن قلتم : خلقه الله تعالى مطيعا فلا يعصى بقولكم ، وإن قلتم خلقه الله تعالى عاصيا فلا يطيع بقولكم ولا يكون لهذه الآية : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [ طه : 121 ] . فصح كلامنا إن إبليس عليه اللعنة ما دام يعبد الله كان مؤمنا في اللوح فمحى اسمه بعد ما قال : لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ [ الحجر : 33 ] . وإن آدم كان كتبه الله مطيعا فلما عصى محى اسمه المطيع وكتب عاصيا فلما نظر إليه بالرحمة وقبل توبته جعله في جملة المطيعين ، وكذلك هاروت وماروت فإن قالوا : القول بالتبدل يؤدى إلى تجويز التبدل على الله عز وجل ، قلنا : هذا من قلة فهمكم تعالى الله عن ذلك ، أفحسبتم أن المكتوب في اللوح صفة الله تعالى بل هو صفة العبد سعادة أو شقاوة ، والعبد يجوز عليه التغير من حال إلى حال ، فكذلك صفته متغيرة . أما قضاء الله تعالى لا يتغير ولا يتبدل ، فالقضاء صفة القاضي غير محدثة والمكتوب في اللوح مقضى محدث ، والحكم غير محدث ، والمحكوم به محدث ، والقدر غير [ 173 ] محدث والمقدور محدث ، وتغيير المقضى لا يوجب تغيير القضاء ، فالناس على أربعة فرق : فريق منهم قضى عليهم بالسعادة ابتداء وانتهاء مثل الإمام علي كرم الله وجهه وولديه الحسن والحسين رضوان الله عليهم أجمعين ، وفريق منهم قضى عليهم بالشقاوة انتهاء وابتداء مثل : أبى جهل وأصحابه ، وفريق منهم قضى عليهم بالسعادة ابتداء وبالشقاوة انتهاء مثل : إبليس ، وبلعم ، وقارون ، وفريق قضى عليهم بالشقاوة ابتداء وبالسعادة انتهاء مثل : أبى بكر ، وعمر ، وسحرة فرعون .